الأربعاء، 4 يناير، 2012

فاروق جويدة يكتب : ومازالت إسرائيل تتجسس على مصر


فاروق جويدة يكتب : ومازالت إسرائيل تتجسس على مصر


مازال الوجه الكئيب البغيض للدولة العبرية يظهر من وقت لآخر رغم الأحاديث الطويلة عن أحلام السلام والمستقبل المضيء الذي ينتظر شعوب المنطقة حين تعود الحقوق لأصحابها والأرض إلى أبنائها.. مازال البعض منا غارقا في سكرة الوهم الذي تصور فيه أن الذئب القابع في تل أبيب يمكن أن يكون رسول سلام ومحبة.. رغم اتفاقيات السلام التي وقعتها مصر منذ أكثر من ثلاثين عامًا في كامب ديفيد.. ورغم زيارات المسئولين واللقاءات المتكررة لأصحاب القرار فإن إسرائيل تواجهنا من حين لآخر بمؤامرة دنيئة أو شبكة تجسس عميلة أو موقف يكشف نوايا عصابة تل أبيب وبقدر ما تآمرت إسرائيل علينا وهى تخفى نواياها خلف أوهام السلام بقدر ما كانت أجهزة الأمن القومى المصرى على وعى كامل بكل جوانب التآمر والخديعة التى تمارسها أجهزة المخابرات الإسرائيلية.
كان جهاز الأمن القومى المصرى دائما يمثل حصن الأمان أمام اختراقات أخذت أشكالا متعددة فى ظل السلام تبدأ بالوفود السياحية وتنتهى بمواكب القادمين عبر طابا إلى سيناء.. كان الأمن القومى المصرى يقف بالمرصاد للموساد الإسرائيلى وهو يدرك أن العدو سوف يبقى رغم أحاديث السلام يبعث من وقت لآخر برسائل تآمرية تؤكد أننا ينبغى أن نكون دائما على حذر.
آخر مؤامرات الدولة العبرية تجاه مصر وأمنها القومى شاب فقير كان يبحث عن فرصة عمل وسافر إلى الصين حيث قامت فرق الموساد بتجنيده ليجمع معلومات حول أجهزة الاتصالات المصرية ويراقب أحاديث كبار المسئولين ويحاول إنشاء شبكة واسعة للتجسس فى سوريا ولبنان وتراقب أنشطة الجماعات الإسلامية.. قدم طارق عبدالعزيز عيسى أوراق اعتماده إلى الموساد مقابل 800 دولار شهريا وبعض السفريات وعدد من الليالى فى فنادق الدرجة الأولى.. باع الشاب المصرى المسكين كل طموحاته وأحلامه مقابل 800 دولار لفرق الموساد واستطاع أن يجمع معلومات كثيرة حول أجهزة الاتصالات فى مصر بل إنه تحول إلى مركز اتصال مع عملاء آخرين للموساد فى دمشق وبيروت وكان يحمل لهم الأموال والتكليفات..
مازال الشاب المصرى طارق عبدالعزيز عيسى أمام القضاء المصرى العادل حيث يمثل خلال أيام أمام محكمة جنايات أمن الدولة العليا متهما بالتخابر مع العدو الإسرائيلى وتقديم معلومات تضر بأمن مصر القومى.
حكاية هذا الشاب الفقير الذى جرفته أحلامه فى الثراء فاختار الطريق الخطأ تضع أمامنا مجموعة ملاحظات ينبغى أن نسترشد بها.. لن نبحث عن مبررات لهذا الشاب لأن الجريمة أكبر من كل المبررات ولا نريد أن نضع حبل المشنقة فى رقبته وهو مازال متهما أمام العدالة ولكن هناك بعض الجوانب التى يمكن أن نستخلصها من هذا الدرس القاسى والعنيف.. نحن أمام صورة من صور الفقر المتوحش حيث تعيش الأسرة فى بيت ريفى صغير فى إحدى قرى الفيوم لا تملك من زادها شيئا.
نحن أمام شاب طموح يسعى لتكوين ثروة مثل المئات المحيطين به فيجد نفسه بين براثن واحد من أخطر أجهزة المخابرات فى العالم.. نحن أمام شاب من أبناء الأجيال الجديدة الذين لم يدركوا المعنى الحقيقى للانتماء والولاء للوطن أمام تاريخ مشوة وتعليم منحرف وثقافة عشوائية وثوابت تاهت فى زحام الصراعات والتفاهات والمواقف.. نحن أمام واقع اجتماعى واقتصادى غاية فى الشراسة من حيث التفاوت الطبقى بين من يملكون ومن لا يملكون.. بين أغنياء التخمة وفقراء الحاجة.. نحن أمام أجيال ترى أن الغاية تبرر الوسيلة وأننا فى سبيل المال قد نضحى بكل شىء ولا نرجع نادمين.
قلت إن قضية هذا الشاب أمام القضاء ليقول كلمته ولكن هناك جوانب أخرى يجب أن تكون محل نقاش بيننا حول هذه الظواهر السلوكية التى تجعل شابا فقيرا يسلك هذا الطريق حتى ولو تعارض مع أبسط مشاعر الولاء والانتماء للوطن هذا الشاب الذى ذهب إلى الصين باحثا عن عمل وعاد ليبيع وطنا بأكمله لمن يشترى.
جانب آخر فى هذه القضية..
أن إسرائيل لم تتوقف لحظة عن تدبير المؤامرات لاختراق المجتمع المصرى بكل الأساليب غير المشروعة.. نحن أمام اتفاقية سلام بين بلدين مضى عليها الآن أكثر من ثلاثين عاما بعد حروب دامية ما الذى يجعل عصابة تل أبيب ترسل عملاءها إلى مصر التى تفتح أبوابها للإسرائيليين من كل لون وكل جنس وذهب آلاف الشباب من أبنائنا وتزوجوا إسرائيليات وأصبح لديهم أطفال يحملون الجنسية الإسرائيلية ولا أحد يعلم كم عدد شبابنا الذين يعيشون فى إسرائيل الآن وكان من أغرب الصور التى شاهدتها يوما على شاشات التليفزيون شاب مصرى متزوج من زوجة إسرائيلية ولديه طفلة منها وكان والد هذا الشاب من القيادات البارزة فى جهاز حساس فى مصر وكان صاحب تاريخ طويل فى مقاومة العدو الإسرائيلى..
فى الوقت الذى تجرى فيه محاكمة الشاب المصرى فى قضية تجسس كانت الطائرات تحمل مع نهاية العام 550 يهوديا جاءوا إلى مصر للاحتفال بمولد أبو حصيرة فى إحدى قرى البحيرة رغم أن هناك حكما قضائيا بوقف هذا المولد منذ عام 2004.
إن إسرائيل رغم كل أحاديث السلام لا تترك فرصة للتجسس على مصر إلا وتستغلها إلى أبعد الحدود.. هناك تاريخ طويل بين أجهزة الأمن القومى المصرى والموساد ابتداء برأفت الهجان مرورا على أسماء كثيرة أدت خدمات جليلة لمصر فى هذا المجال.. ولكن هناك تاريخا آخر للجاسوسية الإسرائيلية التى كشفت المخابرات المصرية معظم مؤامراتها ترويها الكتب والمذكرات والأحداث والصور.
إن آخر فضائح جهاز المخابرات الإسرائيلى «الموساد» كان فضيحة اغتيال القيادى فى حركة حماس محمود المبحوح فى دبى وكيف دفعت إسرائيل بأكثر من 26 فردا من عملائها فى هذه الجريمة التى هزت أركان العالم أمام استخدام إسرائيل لجوازات سفر مزورة لعدد من الدول الأوروبية من بينها إنجلترا.. كان أول قرار اتخذه رئيس الموساد الجديد تامير باردو أن يعتذر للحكومة البريطانية عن عدم استخدام الموساد لجوازات سفر بريطانية مزروة خلال جريمة اغتيال المبحوح فى دبى فى يناير الماضى مع تعهد إسرائيلى ألا تسمح إسرائيل لعملائها باستخدام جوازات سفر مزورة فى عمليات أخرى بالخارج.. ورغم هذا الاعتذار فإن إسرائيل دأبت على استخدام كل الوسائل لتحقيق أهدافها خاصة فى عمليات التخابر والتجسس واستخدام العملاء.
كلنا قرأ عن قصص عملاء إسرائيل الذين كشفتهم المخابرات المصرية.. تاريخ طويل من الصراع فى أوقات الحرب ولم ينته فى أوقات السلم وكانت القضية الأخيرة للشاب المصرى طارق عبدالرزاق عيسى آخر المعارك التى كشفتها المخابرات المصرية.
فى التاريخ حكايات أخرى..
فى عام 1965 كانت قصة العميل أيلى كوهين الجاسوس الإسرائيلى الذى يحمل اسما كاملا ثابتا وكشف أمره رجل المخابرات المصرية رأفت الهجان وتم إعدام إيلى كوهين فى سوريا.
فى عام 77 تم اكتشاف الجاسوس عامر سليمان اميلات وهو شاب بدوى كان يعيش فى سيناء وذهب إلى إسرائيل بعد اتفاقية السلام واحترف سرقة الأدوات الكهربائية فى إسرائيل حتى جندته فرق الموساد وعاد إلى سيناء يبحث عن مخلفات الجيش المصرى ولكن المخابرات المصرية كشفت أمره وحكم عليه بالسجن المؤبد.
من بين القضايا الشهيرة أيضا عن عملاء إسرائيل الذين كشفتهم المخابرات المصرية سمير عثمان أحمد وكان يحترف الغوص ويذهب من طابا إلى إسرائيل حتى ألقى القبض عليه.. ومن القضايا المثيرة أيضا الجاسوس عزام متعب عزام حيث جندته الموساد للتجسس على صناعة الملابس فى مصر مع شريك آخر هو عماد عبدالحميد وقد سجن الجاسوس عزام 8 سنوات وبعد محاولات إسرائيلية تم الإفراج عنه حيث كان صديقا لرئيس وزراء إسرائيل شارون.. ومنذ سنوات قليلة كانت قضية الطاقة الذرية التى أدين فيها محمد سيد صابر حيث كان يقدم معلومات للموساد عن هيئة الطاقة الذرية فى مصر..
وفى العامين الأخيرين صدرت كتب كثيرة عن أشرف مروان وقصة اغتياله فى لندن فى عملية درامية مازالت حتى الآن تمثل سرا غامضا..
هناك تاريخ طويل من الصراع بين المخابرات المصرية والموساد وكانت المخابرات المصرية دائما لها اليد الطولى فى كشف عملاء الموساد وإن كان الموساد قد اختار فى معظم الأحيان العمليات القذرة فى التخلص من عدد كبير من الأشخاص خاصة علماء الذرة ومعظمهم مصريون ورموز للمقاومة الفلسطينية وكان آخرهم اغتيال المبحوح فى يناير 2010 فى أحد الفنادق فى دبى على يد مجموعة ضخمة من رجال الموساد.
فى عام 1980 تم اغتيال د.يحيى المشد عالم الذرة المصرى فى باريس على يد الموساد.. وفى الخمسينيات من القرن الماضى اغتيلت سميرة موسى عالمة الذرة المصرية وفى عام 1967 اغتيل عالم الذرة المصرى سمير نجيب.. واغتالت فرق الموساد فى عام 1954 العلماء الألمان الذين كانوا يشاركون فى مشروعات الصناعات الحربية فى مصر..
وعلى الجانب الفلسطينى كانت قصة خالد مشعل القيادى فى حركة حماس واحدة من أشهر محاولات الاغتيال الفاشلة فى تاريخ الموساد حيث تم إلقاء القبض على عملاء الموساد بعد استخدام السم فى محاولة اغتيال مشعل فى عمان وتكشفت أبعاد المؤامرة وتدخل الملك الراحل العاهل الأردنى الملك حسين مع الرئيس الأمريكى السابق بيل كلينتون وتم تقديم المصل المضاد لمشعل وكان نتنياهو يومها رئيسا للوزراء وبعد ذلك تم الإفراج عن عملاء الموساد من السلطات الأردنية مقابل الإفراج عن الشيخ أحمد ياسين فى سجون إسرائيل.
لم تكن محاولة اغتيال مشعل هى المحاولة الوحيدة مع القيادات الفلسطينية فقد اغتالت فرق الموساد أبوجهاد فى تونس عام 1988 واستخدمت خلية ضمت 20 عضوا وأربع سفن وغواصين وطائرتين عموديتين وكان قائد هذه العملية يهود باراك وزير الدفاع الحالى وفى عام 72 اغتالت قوات الموساد وائل زعيتر فى روما واغتالت أيضا كمال عدوان وكمال ناصر وأبويوسف النجار فى عام 1973.. واغتيل ناجى العلى فى لندن عام 1987 ثم عاطف بسيسو وغسان كنفانى ومنذر أبوغزالة قائد البحرية الفلسطينية فى أثينا عام 1986 وفى بيروت عام 1981 اغتالت فرق الموساد المؤرخ االفلسطينى عبدالوهاب الكيالى.. وبالطائرات اغتالت إسرائيل الشيخ أحمد ياسين والرنتيسى والقسام ودمرت المفاعل النووى العراقى ثم المفاعل النووى السورى فى منطقة دير الزير.
تاريخ من الاغتيالات على امتداد الساحة العربية مارسته بوحشية فرق القتل فى الموساد بجانب عمليات التجسس التى لم تتوقف وكان آخرها هذا الشاب المصرى الذى تم تجنيده فى الصين.
إن الغريب فى الأمر أن هناك اتفاقية سلام موقعة بين مصر وإسرائيل ولا تنقطع الاتصالات والزيارات على المستوى الرسمى بين البلدين حيث لا يمضى أسبوع واحد إلا وهناك مسئول إسرائيلى فى مصر أو مسئول مصرى فى تل أبيب والأكثر من ذلك أن هناك تنسيقا أمنيا بين مصر وإسرائيل على الحدود حيث مشكلات الإنفاق وتهريب السلاح والعمالة الأفريقية التى تتسرب من سيناء إلى إسرائيل عبر الحدود.. وقبل هذا كله فإن وفود رجال الأعمال لا تتوقف زياراتهم بين البلدين حيث اتفاقية الكويز التى تضع ضوابط للتعاون فى مجال المنسوجات والملابس الجاهزة بين مصر وإسرائيل.
إن الأخطر من ذلك كله هو خطوط الغاز التي تحمل للمصانع الإسرائيلية الغاز المصري كل يوم بمئات الملايين من الدولارات.. وقبل هذا كله فإن السياح الإسرائيليين يدخلون طابا وشرم الشيخ دون تأشيرة دخول بالبطاقات الشخصية.
وفى السنوات الماضية تسللت إلى مصر وفود ثقافية واقتصادية إسرائيلية وأقامت علاقات متعددة مع عدد كبير من المثقفين المصريين وكتائب رجال الأعمال بل إن مصر شهدت أعدادا كبيرة من الخبراء الإسرائيليين فى مجالات الزراعة والإنتاج الزراعى.
على الجانب الآخر لم تحدث عملية اختراق مصرية مدروسة للمجتمع الإسرائيلى وظلت العلاقات محصورة فى لقاءات بين المسئولين هنا وهناك ولكن سنوات السلام المزعوم كانت تمثل فرصة أكبر للإسرائيليين لدخول مصر من جميع الأبواب.
فى اعترافات الشاب المتهم بالتجسس طارق عبد العزيز عيسى قضايا يجب أن نأخذها مأخذ الجد حول قيام إسرائيل بتشويه حقائق كثيرة عن الأديان أمام الشباب المصرى على شبكات الإنترنت وهنا يجب أن نتساءل ما هو الهدف من ذلك هل هو إشعال الفتن بين المسلمين والأقباط وما الذى يمنع أن تدخل إسرائيل طرفا فى هذه اللعبة وتغذى صراعات وما يحدث من مشاحنات على الإنترنت إذا كان الهدف إشعال الفتن.. لماذا لا نتصور أن يد إسرائيل كانت وراء منابذات كثيرة فى المعركة على الإنترنت بين مصر والجزائر وأنها شاركت فى ذلك بصورة أو أخرى.
إن الهدف من تجنيد هذا الشاب هو اختراق أحدث وسيلة تكنولوجية فى مصر وهى قطاع الاتصالات وأن هذا الشاب قد اختبر أكثر من 2000 شاب للعمل فى شركته الوهمية فى الصين فهل وصلت أجهزة الاتصالات إلى أسماء هؤلاء حتى لا يتورط أحد منهم فى قضية تجسس أخرى.. إن الأخطر من ذلك هو عمليات الربط بين شبكات التجسس فى مصر وسوريا ولبنان وجميعها تصب فى مجال واحد وهو الاتصالات لأن من يضع يديه على هذا المجال يستطيع أن يلعب فى أماكن أخرى كثيرة.. إن التجسس على تليفونات المسئولين ومتابعة حركة الإنترنت وتسريب البيانات الخاطئة وقراءة ما يجرى على هذه الشبكات وما يتم من صفقات وآراء وكتابات كل هذه البيانات يمكن تحليلها ودراستها هذا بخلاف المعلومات والبيانات المهمة والخطيرة والتى ترتب عليها تدمير المفاعل النووى السورى فى دير الزير.
إن يقظة المخابرات المصرية كشفت هذه القضية كما كشفت عشرات القضايا قبلها لكن يجب أن نفتح عيوننا فى مجالات أخرى كثيرة يمكن أن تلعب فيها أيادى إسرائيل ونحن لا نعلم خاصة فيما نقرأ أو نرى على ساحات الفيس بوك والإنترنت وهذا العالم الرهيب الذى يتحرك فيه ملايين الشباب من أبنائنا ونحن لا نعلم عنهم شيئا.
إن تجنيد شاب مصرى قضية خطيرة ولكن الأخطر منها أن تكون هناك أجهزة تعبث فى عقول الملايين من أبنائنا فى غفلة منا لأن تخريب عقول الشباب المصرى وهم عدة المستقبل لا يقل فى خطورته وآثاره عن تجنيد العملاء والجواسيس.. إن الأغرب من ذلك أن تصمت إسرائيل تماما أمام هذه الجريمة وأن يعتذر رئيس الموساد للإنجليز بينما نستقبل نحن 550 يهوديا فى مولد أبو حصيرة.
تناقضات يجب أن نتوقف عندها كثيرا. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق